عبد الكريم الخطيب
420
التفسير القرآنى للقرآن
من جنود اللّه - لا يراهم - يحفّون به ، ويستمعون إليه ، ويؤمنون به ، وبالكتاب الذي أنزل عليه . ومن هذا الذي يستمع إلى كلام اللّه ، ويستجيب لرسوله ؟ إنهم جماعة من « الجنّ » . . الجنّ الذي يضرب به المثل في الخروج على كل نظام ، والتأبّى على كل نداء ! . فكيف لا يكون لهذا القرآن مثل هذا الأثر في نفوس الناس ، وفي أضلّهم ضلالا ، وأعتاهم عتوّا ؟ ولا شك أن في هذا قدرا كبيرا من التنفيس عن رسول اللّه ، والتطييب لخاطره ، بعد تلك التجربة القاسية التي مرّت به في الطائف . . وإنها لزاد يتزوّد به الرسول ، ويجد منه القوة على مواصلة السّير في طريقه إلى قومه ، وفي مواجهة تحدّيهم له ، وعنادهم وتأبّيهم عليه ! . وعلى هذا العزم ، ومع تلك القوة ، مضى الرسول إلى مكة ! . ولا يجد الرسول قومه ، على غير ما عرف منهم . . إنهم على هذا الضلال المبين ، وعلى تلك العداوة له ، والخلاف عليه . . وأنه إذا كان قد وجد من استماع الجنّ إليه ، ما يشدّ عزمه ، ويدفع به إلى مواجهة قومه في مكة - فإنه ما زال في حاجة إلى أمداد أخرى ، تثبّت قدمه ، وتشدّ عزمه ، وتلقى أضواء على هذا الظلام الكثيف المنعقد في سماء مكة ، بينه وبين قومه . لقد أبلى الرسول الكريم بلاءه ، في الأرض ، واستنفد كل ما يعطى ويأخذ منها ومن أهلها ، فكان لا بد من عالم آخر ، يتزود منه بزاد روحي ، يشيع في كيانه قوى مجدّدة ، لا تنفد على كثرة ما ينفق منها في هذا النضال المتصل بينه وبين قومه ، حتى يحكم اللّه بينه وبينهم بالحق ، وهو خير الحاكمين . . فكانت رحلة الإسراء !